سامي
04-05-2009, 10:00 AM
استيقظت كعادتها على صوت المؤذن يدعو لصلاة الفجر .. هجرت سريرها بهدوء حتى لا تزعجه .... صلت الفجر
ثم بدأ مشوارها اليومي المعتاد ... غسلت الأرض بماء البحرة الرقراق ..... سقت الورود الجورية الخمرية التي تملأ أركان المنزل ... الفل البلدي الذي يمتزج عطره بعطر الياسمين المتناثر في كل أرجاء أرض الديار.
شغلت المسجلة أو الغرامافون كما يحلو له أن يدعوه وبدأت فيروز غنائها الملائكي الذي يضفي على الجو سكينة ووداعة
لابد أنه أنتهى من صلاة الفجر الآن .....
وضعت دولة القهوة على الغاز .... أضافت ملعقة كبيرة من البن ... رفعت الرغوة ووضعتها في فنجانه ... يحب القهوة مع الرغوة على وجهها ... قطفت ورة فل بلدية ووضعته في صحن فنجانه ...
الله يسعد صباحك يا أم أحمد .... ناداها بصوت أتعبته السنون
أسرعت والفنجان في يدها وقدمته له .....
الله يسلم دياتك ويخليلي ياك
الله يطول عمرك يا أبو أحمد ويخليك فوق راسنا
شرب قهوته التي تآلف فيها رائحة الهيل مع رائحة الفل .... حمل عكازه ذو القبضة العاجية .... ومسبحته المرمرية..... وتوجه إلى باب الزقاق مودعاً منها بالدعاء.
أغلقت الباب خلفه وهي تلاحقه بنظراتها متمنية له مديد الصحة والعافية.
منذ خمسين سنة بدأت قصتهما ومنذ ذاك الحين وهي تحبه بألوان مختلفة كل يوم لون جديد .... وطعم جديد وحياة جديدة.
تأملت أرجاء المنزل بغرفه الخاوية .... تذكرت تلك الأيام التي كان فيها مليئاً بضحك أولادها تارة وصراخهم وضجيجهم تارة أخرى....
أحمد وسمية وخالد وهيا ....
هجروها جميعاً إلى بلدان ليست بلدانهم... لافيها فل ولا ياسمين ولا ليمونة تحتفي بها العصافير صباح مساء..... وبقي منهم رجع صدى بسماتهم وتمائم من أثرهم.
في هذا الركن كانت تجرش العدس ... في تلك الزاوية كانت تحضر المعمول .... وتحت الليمونة كان يطيب لها تطريز أثواب مولودها الجديد مستظلة بفيئها.
أما الليوان فقد شهد كل حفلات زفاف أولادها ...... ولحظات توديعهم لعالمهم الجديد.
تذكرت أيام الفقر والتعتير التي مرت عليها .... لكنها صبرت بحبها له وبأملها بفرج قريب ..... وجاء الفرج من باب واسع ... خرج منه بنوها وبقيت وحبيبها ...
تستحي من هذه الكلمة ... حبيبها ... لم تذكر بأنها قالتها له جهاراً, لكنها كانت تقولها بعيونها السود الواسعات وابتسامتها الحيية وبيداها اللتان تسعدان بتدليك رجليه بالماء الساخن عند عودته من العمل.
لم يقل لها يوماً بأنه يحبها .... وكأن شفتاه كانتا تمارسان دور السجان على هذه الكلمة... لكنها متأكدة من محبته لها ... نعم هو يحبني ويعاملني أحسن معاملة بالدنيا .... كانت تعرف بأن جملة ' الله يرضى عليكي يا أم أحمد' تعادل في قاموسه كلمة أحبك يا أم أحمد.
أحمَّرت وجنتاها خجلاً و فرحت فرحة طفلة صغيرة بملابس العيد
كانت تتمنى بأن تستطيع أن تبوح له بأسرار حبها له ... أن تقول له بأن وجهه مثل البدر .... وأن شواربه المعقوفان هما مصدر كبريائها وعزة نفسها ... ويده الخشنة التي تشعرها بقشعريرة ثلجية مسكرة ... تسعدها سعادة أسطورية ..
لاتستطيع أن تبوح بكل هذا إلا لملابسه ... ثيابه ... شماغه .. جلابيته وقفطانه .... هؤلاء بيت سرها ... هؤلاء من تستطيع مغازلتهم وتقبيلهم بالطريقة التي تريد ... وضمهم إلى صدرها لوقت أطول وبحنية أكثر ... تستمتع بشم رائحة المسك التي تفوح منهم المختلطة بعطر رجولية جسده.
الله يخليلي ياه فوق راسي ويمدو بالصحة والعافية ... قالت لنفسها وهي تدخل المطبخ لتطبخ له الأكلة المفضلة عنده ... الشاكرية ... وكعادتها عندما تدخل المطبخ تبدأ بقراءة السور القرآنية الخمس التي حفظتها عن أمها وتستمر بقراءتهم بحركتها وسكونها حتى تنتهي...
دخلت غرفتها.... لبست غطاء الصلاة ... صلت ركعتي الضحى ... وكررت دعاء استقبال وتوديع أبو أحمد ....
تناولت القرآن الكريم ... لقد وصلت إلى منتصف القرآن تقريباً.... كانت تطمئن نفسها بقراءة القرآن ... رغم أنها لا تعرف القراءة والكتابة ... لكن الجاره أم ياسين قالت لها بأن تتبع السطور بسبابتها وعيونها وتقرأ سورة 'قل هو الله أحد ' وسيكتب لها نفس الآجر إن شاء الله ...
الله يجزيكي الخير يا أم ياسين ... الله يعيشني لأختم القرآن الكريمعشان أهدي ثوابه لأبو أحمد.
مر الوقت سريعاً اليوم ..... فبعد أن تناولت العشاء معه رافقته إلى الغرفة لينام .... مدت الشرشف الساتاني فوقه وهي تتمتم بالأيات التي تحفظها وتدعو له....
ألقت نظرة عليه ... تمنت لو أنها تستطيع أن تداعب شعره الذي غزاه الشيب ... أن تقبل جبينه الملدوع بنور الشمس .... إنها تحبه نعم إنها تحبه ... ثار في داخلها قوة أنثوية عارمة .... ستقول له كل ما يجول بخاطرها ... ستبوح له بكل أفكارها وكلماتها عن الحب ... نعم ' بدي قلو كل شي ... استحي يابنت ' قالت لنفسها' .... بدي قلو ويلي بدو يصير يصير.... بس مو اليوم ... بكرا الصبح انشا لله نحنا وعم نشرب القهوة .. أحست بجسدها الذي هاجمته السنون يعود نضراً قوياً ... سكنها غليان بارد تفتحت له زهرات عمرها من جديد ...
نامت بقربه وهي تتأمل وجهه ... تقرأ الأيات وتنفخ بكل رقة عليه...
غفت عيناها وهي تحلم بيوم جديد ... يوم كعيد يأتي بعد انتظار ... لكن هذا العيد طال انتظاره ...
كانت أجمل ليلة في حياتها رأت أحلاماً رائعة .... نبعٌ .. ورياحين ... وفرحة....
استيقظت قبل طلوع الشمس ... صلت الفجر ... وأسرعت لمشوارها اليومي ... لكنه اليوم مشوار مختلف ...
غسلت أرض البيت مرتين ... وسقت الورود كالعادة ... وإلى المطبخ لإعداد القهوة .... لكنها قررت اليوم أن تضع في الصحن فلة وزهرتي ياسمين وجورية خمرية .... بدأت تحضر كلماتها .... ' لا خلص يا بنت قوليلو كل شي بيخطر على بالك ' انتهت من تحضير قهوته ... وضعتها جانب البحرة ... لم تسمع وقع خطواته .... لابد أنه يعد بعض المال ليأخذه للعمل ... لكنه تأخر ... ليس كعادته ....
أحست بغصة في حلقها ... نادته ... أبو أحمد رح تبرد القهوة ... سمعت رجع كلماتها...
هرعت إلى الغرفة ... سمعت نبضات قلبها تضرب على صدرها ... كان مستلقياً على سريره والنور يشع من وجهه ورائحة المسك تعبق في المكان... اقتربت منه ... نادته بصوت خافت .... لم يجب.... أمسكت يده ... كانت باردة كلوح البوظة ... ارتعدت فرائصها... ماتت الكلمات في فمها .... سكنت الدنيا... تلاشت قشدة القهوة .... توقفت عصافير الدار عن التغريد... تردد صوت فيروز بحلة جديدة ... حلة سكون الكون وعدمه ' آخر أيام الصيفية...........'
ثم بدأ مشوارها اليومي المعتاد ... غسلت الأرض بماء البحرة الرقراق ..... سقت الورود الجورية الخمرية التي تملأ أركان المنزل ... الفل البلدي الذي يمتزج عطره بعطر الياسمين المتناثر في كل أرجاء أرض الديار.
شغلت المسجلة أو الغرامافون كما يحلو له أن يدعوه وبدأت فيروز غنائها الملائكي الذي يضفي على الجو سكينة ووداعة
لابد أنه أنتهى من صلاة الفجر الآن .....
وضعت دولة القهوة على الغاز .... أضافت ملعقة كبيرة من البن ... رفعت الرغوة ووضعتها في فنجانه ... يحب القهوة مع الرغوة على وجهها ... قطفت ورة فل بلدية ووضعته في صحن فنجانه ...
الله يسعد صباحك يا أم أحمد .... ناداها بصوت أتعبته السنون
أسرعت والفنجان في يدها وقدمته له .....
الله يسلم دياتك ويخليلي ياك
الله يطول عمرك يا أبو أحمد ويخليك فوق راسنا
شرب قهوته التي تآلف فيها رائحة الهيل مع رائحة الفل .... حمل عكازه ذو القبضة العاجية .... ومسبحته المرمرية..... وتوجه إلى باب الزقاق مودعاً منها بالدعاء.
أغلقت الباب خلفه وهي تلاحقه بنظراتها متمنية له مديد الصحة والعافية.
منذ خمسين سنة بدأت قصتهما ومنذ ذاك الحين وهي تحبه بألوان مختلفة كل يوم لون جديد .... وطعم جديد وحياة جديدة.
تأملت أرجاء المنزل بغرفه الخاوية .... تذكرت تلك الأيام التي كان فيها مليئاً بضحك أولادها تارة وصراخهم وضجيجهم تارة أخرى....
أحمد وسمية وخالد وهيا ....
هجروها جميعاً إلى بلدان ليست بلدانهم... لافيها فل ولا ياسمين ولا ليمونة تحتفي بها العصافير صباح مساء..... وبقي منهم رجع صدى بسماتهم وتمائم من أثرهم.
في هذا الركن كانت تجرش العدس ... في تلك الزاوية كانت تحضر المعمول .... وتحت الليمونة كان يطيب لها تطريز أثواب مولودها الجديد مستظلة بفيئها.
أما الليوان فقد شهد كل حفلات زفاف أولادها ...... ولحظات توديعهم لعالمهم الجديد.
تذكرت أيام الفقر والتعتير التي مرت عليها .... لكنها صبرت بحبها له وبأملها بفرج قريب ..... وجاء الفرج من باب واسع ... خرج منه بنوها وبقيت وحبيبها ...
تستحي من هذه الكلمة ... حبيبها ... لم تذكر بأنها قالتها له جهاراً, لكنها كانت تقولها بعيونها السود الواسعات وابتسامتها الحيية وبيداها اللتان تسعدان بتدليك رجليه بالماء الساخن عند عودته من العمل.
لم يقل لها يوماً بأنه يحبها .... وكأن شفتاه كانتا تمارسان دور السجان على هذه الكلمة... لكنها متأكدة من محبته لها ... نعم هو يحبني ويعاملني أحسن معاملة بالدنيا .... كانت تعرف بأن جملة ' الله يرضى عليكي يا أم أحمد' تعادل في قاموسه كلمة أحبك يا أم أحمد.
أحمَّرت وجنتاها خجلاً و فرحت فرحة طفلة صغيرة بملابس العيد
كانت تتمنى بأن تستطيع أن تبوح له بأسرار حبها له ... أن تقول له بأن وجهه مثل البدر .... وأن شواربه المعقوفان هما مصدر كبريائها وعزة نفسها ... ويده الخشنة التي تشعرها بقشعريرة ثلجية مسكرة ... تسعدها سعادة أسطورية ..
لاتستطيع أن تبوح بكل هذا إلا لملابسه ... ثيابه ... شماغه .. جلابيته وقفطانه .... هؤلاء بيت سرها ... هؤلاء من تستطيع مغازلتهم وتقبيلهم بالطريقة التي تريد ... وضمهم إلى صدرها لوقت أطول وبحنية أكثر ... تستمتع بشم رائحة المسك التي تفوح منهم المختلطة بعطر رجولية جسده.
الله يخليلي ياه فوق راسي ويمدو بالصحة والعافية ... قالت لنفسها وهي تدخل المطبخ لتطبخ له الأكلة المفضلة عنده ... الشاكرية ... وكعادتها عندما تدخل المطبخ تبدأ بقراءة السور القرآنية الخمس التي حفظتها عن أمها وتستمر بقراءتهم بحركتها وسكونها حتى تنتهي...
دخلت غرفتها.... لبست غطاء الصلاة ... صلت ركعتي الضحى ... وكررت دعاء استقبال وتوديع أبو أحمد ....
تناولت القرآن الكريم ... لقد وصلت إلى منتصف القرآن تقريباً.... كانت تطمئن نفسها بقراءة القرآن ... رغم أنها لا تعرف القراءة والكتابة ... لكن الجاره أم ياسين قالت لها بأن تتبع السطور بسبابتها وعيونها وتقرأ سورة 'قل هو الله أحد ' وسيكتب لها نفس الآجر إن شاء الله ...
الله يجزيكي الخير يا أم ياسين ... الله يعيشني لأختم القرآن الكريمعشان أهدي ثوابه لأبو أحمد.
مر الوقت سريعاً اليوم ..... فبعد أن تناولت العشاء معه رافقته إلى الغرفة لينام .... مدت الشرشف الساتاني فوقه وهي تتمتم بالأيات التي تحفظها وتدعو له....
ألقت نظرة عليه ... تمنت لو أنها تستطيع أن تداعب شعره الذي غزاه الشيب ... أن تقبل جبينه الملدوع بنور الشمس .... إنها تحبه نعم إنها تحبه ... ثار في داخلها قوة أنثوية عارمة .... ستقول له كل ما يجول بخاطرها ... ستبوح له بكل أفكارها وكلماتها عن الحب ... نعم ' بدي قلو كل شي ... استحي يابنت ' قالت لنفسها' .... بدي قلو ويلي بدو يصير يصير.... بس مو اليوم ... بكرا الصبح انشا لله نحنا وعم نشرب القهوة .. أحست بجسدها الذي هاجمته السنون يعود نضراً قوياً ... سكنها غليان بارد تفتحت له زهرات عمرها من جديد ...
نامت بقربه وهي تتأمل وجهه ... تقرأ الأيات وتنفخ بكل رقة عليه...
غفت عيناها وهي تحلم بيوم جديد ... يوم كعيد يأتي بعد انتظار ... لكن هذا العيد طال انتظاره ...
كانت أجمل ليلة في حياتها رأت أحلاماً رائعة .... نبعٌ .. ورياحين ... وفرحة....
استيقظت قبل طلوع الشمس ... صلت الفجر ... وأسرعت لمشوارها اليومي ... لكنه اليوم مشوار مختلف ...
غسلت أرض البيت مرتين ... وسقت الورود كالعادة ... وإلى المطبخ لإعداد القهوة .... لكنها قررت اليوم أن تضع في الصحن فلة وزهرتي ياسمين وجورية خمرية .... بدأت تحضر كلماتها .... ' لا خلص يا بنت قوليلو كل شي بيخطر على بالك ' انتهت من تحضير قهوته ... وضعتها جانب البحرة ... لم تسمع وقع خطواته .... لابد أنه يعد بعض المال ليأخذه للعمل ... لكنه تأخر ... ليس كعادته ....
أحست بغصة في حلقها ... نادته ... أبو أحمد رح تبرد القهوة ... سمعت رجع كلماتها...
هرعت إلى الغرفة ... سمعت نبضات قلبها تضرب على صدرها ... كان مستلقياً على سريره والنور يشع من وجهه ورائحة المسك تعبق في المكان... اقتربت منه ... نادته بصوت خافت .... لم يجب.... أمسكت يده ... كانت باردة كلوح البوظة ... ارتعدت فرائصها... ماتت الكلمات في فمها .... سكنت الدنيا... تلاشت قشدة القهوة .... توقفت عصافير الدار عن التغريد... تردد صوت فيروز بحلة جديدة ... حلة سكون الكون وعدمه ' آخر أيام الصيفية...........'