السفير العراقي
12-23-2009, 06:19 PM
خلف تظارة جدتي المستديرة ، كانت تختفي تظراتها الجديّة ، وأحلامٌ تصوغها ، كانت تختفي داخل القلب ، تنتظر لحظة تبوح بها ، لعلها تكون خطوتها الأولى كي تتحقق !
لم أدرك يوماً أن لجدتي طموحاتٌ كبيرة ، وقلب صبيّة حالمة
فقد أعيتها السنوات الآفلة ، تربية أحد عشر ابناً وابنة أيتاماً تركهم لها زوجها الحبيب ، عندما اختطفه الموت من بين يديها ، وتركها تتجرّع هموماً ، وتتجاسر على عذابات المسؤولية التي ألقيت كلّها على عاتقها وحدها دون معين ..
صلبة جدتي كما الجبال ، رغم أن لها قلباً يشبه سحابة ماطرة !
ربّت أولادها على الفضيلة وحبّ العلم ، فكانت بناتها الأربع معلمات ومربيات أجيالٍ لا يشقّ لهنّ غبار ..
وكنّ يعرفن بين الناس باسم تلك الأم المناضلة ، 0 ( الحاجة أم عبد الله ) وكم كنّ يسعدن بمناداتهن ببنات الحاجة أم عبد الله ..
فأم عظيمة كهذه استحقّت كلّ البرّ والحبّ والعطاء ، الذي كنّ يبذلنه لها دون أدنى تردد ، مما يشعرهن بأنهنّ قد حققن لها ما تريد وما تتمنى من برٍّ وعطاء ..
لكنّ نظرة الحزن كانت باقية ، لم تستطع الأيام أن تزيحها عنها ، فكأنما الهمّ قد رافقها في اللحظة التي أصبحت فيها أباً وأماً ، إلى هذه اللحظة التي تحيط بها حشود من الأحفاد والحفيدات ..
كنتُ أستغرب تلك النظرة ، ما أسبابها ؟ ولم لم تزل ..
حتى باحت في لحظة عن همّها وقالت لإحدى بنياتها
- أتمنى لو أقرأ القرآن !
جدتي رغم أنها قد أسست أجيالاً بحسن التربية والتعليم ، إلا أنها كانت أميّة لا تجيد القراءة والكتابة ، وكان أمر الآخرة يشغلها ..
جسارتها وتعوّدها الدائم طيلة أيام عمرها على الاعتماد على نفسها جعلها تدرك صعوبة الطلب من الآخرين
فكان بوحها هكذا مفتاحاً لمشروع محو أميتها
وكان الكلّ يتناوب في تعليمها ، ويستخدم مهاراته وأساليبه الخاصة
حتى أتقنت بعض الكلمات القليلة وأصبحت تكتب اسمها بخطّ جميل ، واسم ابنها المتوفى ( عبد الله ) والمغترب ( مازن ) وبقيّة الأبناء والبنات الغوالي ..وباتت تقرأ ببراعة السور القصيرة والفاتحة من القرآن الكريم !
ظننتُ أن طموح جدتي قد توقف عند هذا الحدّ
حتى فاجأتني صوت منبعث من غرفتها ، أشبه بصوت المعلّمة في رياض الأطفال
اختلست السمع ، فلم أعِ المسألة
دخلت الغرفة على حين غرّة فوجدتها قد جمعت الأحفاد الصغار والحفيدات ، والخادمة الفلبينية والأخرى الحبشيّة وجلست تعلمهنّ قصار السور وبعض الكلمات ..
أذهلتني حقّاً جدتي !
كلمات بسيطة تعلمتها ، وبضعة حروف جعلت منها أستاذة عظيمة في نظر كل هؤلاء
الجميع كان منسجماً معها ، والصمت والاحترام ساد المكان
لكِ الله يا جدتي .. كم تواريت منكِ خجلاً بعدها ..
وكم استصغرتُ نفسي وأنبتها ..
رغم أنني في المرحلة المتوسطة ، إلا أنني قد أكون في نظرك كأستاذة في الجامعة ..
إلا أنني أقفلتُ باب مدرستي عليّ وفتحتِ أنتِ أبواب قلبك على اتساعها !
رحمكِ الله يا جدتي الحبيبة
فلا زالت نظارتكِ تذكرني بنظرتكِ الجديّة ، وبحر الحنان المتفجر من أعماقها ،
ومازال يرنّ في أذنيّ صوت مدرستك العظيمة ، تلك التي أسستها ببراعة
داخل قلبي !
لم أدرك يوماً أن لجدتي طموحاتٌ كبيرة ، وقلب صبيّة حالمة
فقد أعيتها السنوات الآفلة ، تربية أحد عشر ابناً وابنة أيتاماً تركهم لها زوجها الحبيب ، عندما اختطفه الموت من بين يديها ، وتركها تتجرّع هموماً ، وتتجاسر على عذابات المسؤولية التي ألقيت كلّها على عاتقها وحدها دون معين ..
صلبة جدتي كما الجبال ، رغم أن لها قلباً يشبه سحابة ماطرة !
ربّت أولادها على الفضيلة وحبّ العلم ، فكانت بناتها الأربع معلمات ومربيات أجيالٍ لا يشقّ لهنّ غبار ..
وكنّ يعرفن بين الناس باسم تلك الأم المناضلة ، 0 ( الحاجة أم عبد الله ) وكم كنّ يسعدن بمناداتهن ببنات الحاجة أم عبد الله ..
فأم عظيمة كهذه استحقّت كلّ البرّ والحبّ والعطاء ، الذي كنّ يبذلنه لها دون أدنى تردد ، مما يشعرهن بأنهنّ قد حققن لها ما تريد وما تتمنى من برٍّ وعطاء ..
لكنّ نظرة الحزن كانت باقية ، لم تستطع الأيام أن تزيحها عنها ، فكأنما الهمّ قد رافقها في اللحظة التي أصبحت فيها أباً وأماً ، إلى هذه اللحظة التي تحيط بها حشود من الأحفاد والحفيدات ..
كنتُ أستغرب تلك النظرة ، ما أسبابها ؟ ولم لم تزل ..
حتى باحت في لحظة عن همّها وقالت لإحدى بنياتها
- أتمنى لو أقرأ القرآن !
جدتي رغم أنها قد أسست أجيالاً بحسن التربية والتعليم ، إلا أنها كانت أميّة لا تجيد القراءة والكتابة ، وكان أمر الآخرة يشغلها ..
جسارتها وتعوّدها الدائم طيلة أيام عمرها على الاعتماد على نفسها جعلها تدرك صعوبة الطلب من الآخرين
فكان بوحها هكذا مفتاحاً لمشروع محو أميتها
وكان الكلّ يتناوب في تعليمها ، ويستخدم مهاراته وأساليبه الخاصة
حتى أتقنت بعض الكلمات القليلة وأصبحت تكتب اسمها بخطّ جميل ، واسم ابنها المتوفى ( عبد الله ) والمغترب ( مازن ) وبقيّة الأبناء والبنات الغوالي ..وباتت تقرأ ببراعة السور القصيرة والفاتحة من القرآن الكريم !
ظننتُ أن طموح جدتي قد توقف عند هذا الحدّ
حتى فاجأتني صوت منبعث من غرفتها ، أشبه بصوت المعلّمة في رياض الأطفال
اختلست السمع ، فلم أعِ المسألة
دخلت الغرفة على حين غرّة فوجدتها قد جمعت الأحفاد الصغار والحفيدات ، والخادمة الفلبينية والأخرى الحبشيّة وجلست تعلمهنّ قصار السور وبعض الكلمات ..
أذهلتني حقّاً جدتي !
كلمات بسيطة تعلمتها ، وبضعة حروف جعلت منها أستاذة عظيمة في نظر كل هؤلاء
الجميع كان منسجماً معها ، والصمت والاحترام ساد المكان
لكِ الله يا جدتي .. كم تواريت منكِ خجلاً بعدها ..
وكم استصغرتُ نفسي وأنبتها ..
رغم أنني في المرحلة المتوسطة ، إلا أنني قد أكون في نظرك كأستاذة في الجامعة ..
إلا أنني أقفلتُ باب مدرستي عليّ وفتحتِ أنتِ أبواب قلبك على اتساعها !
رحمكِ الله يا جدتي الحبيبة
فلا زالت نظارتكِ تذكرني بنظرتكِ الجديّة ، وبحر الحنان المتفجر من أعماقها ،
ومازال يرنّ في أذنيّ صوت مدرستك العظيمة ، تلك التي أسستها ببراعة
داخل قلبي !